ابن قيم الجوزية

32

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

وقيل : ( الصبر شجاعة النفس ) ومن هاهنا أخذ القائل قوله : ( الشجاعة صبر ساعة ) . وقيل : ( الصبر ثبات القلب عند موارد الاضطراب ) . والصبر والجزع ضدان ولهذا يقابل أحدهما بالآخر قال تعالى عن أهل النار : ( سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ) ( إبراهيم : 21 ) . والجزع قرين العجز وشقيقه والصبر قرين الكيس ومادته فلو سئل الجزع من أبوك لقال : العجز ولو سئل الكيس من أبوك لقال : الصبر . والنفس مطية العبد التي يسير عليها إلى الجنة أو النار والصبر لها بمنزلة الحطام والزمام للمطية فإن لم يكن للمطية خطام ولا زمام شردت في كل مذهب . وحفظ من خطب الحجاج : ( اقدعوا هذه النفوس فإنها طلعة إلى كل سوء فرحم الله امرءا جعل لنفسه خطاماً وزماماً فقادها بخطامها إلى طاعة الله وصرفها بزمامها عن معاصي الله فإن الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه ) . قلت : والنفس فيها قوتان : قوة الاقدام وقوة الإحجام فحقيقة الصبر أن يجعل قوة الاقدام مصروفة إلى ما ينفعه وقوة الإحجام امساكاً عما يضره . ومن الناس من تكون قوة صبره على فعل ما يندفع به وثباته عليه أقوى من صبره عما يضره فيصبر على مشقة الطاعة ولا صبر له عن داعي هواه إلى ارتكاب ما نهى عنه ومنهم من لا صبر له على هذا ولا على ذاك وأفضل الناس أصبرهم على النوعين . فكثير من الناس يصبر على مكابدة قيام الليل في الحر والبرد وعلى مشقة